فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد}
تقدم الكلام على انسلخ في قوله: فانسلخ.
وقال أبو الهيثم: يقال أهللنا هلال شهر كذا أي دخلنا فيه ولبسناه، فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه لباسًا منه، ثم نسلخه عن أنفسنا بعد تكامل النصف منه جزءًا حتى نسلخه عن أنفسنا كله، فينسلخ.
وأنشد:
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ** كفيَّ قاتلًا سلخ الشهور وإهلال

والظاهر أن هذه الأشهر هي التي أبيح للناكثين أنْ يسيحوا فيها، ووصفت بالحرم لأنها محرم فيها القتال، وتقدم ذكر الخلاف في ابتدائها وانتهائها.
وإذا تقدمت النكرة وذكرت بعد ذلك فالوجه أنْ تذكر بالضمير نحو: لقيت رجلًا فضربته.
ويجوز أنْ يعاد اللفظ معرّفًا بل نحو: لقيت رجلًا فضربت الرجل، ولا يجوز أنْ يوصف بوصف يشعر بالمغايرة لو قلت: لقيت رجلًا فضربت الرجل الأزرق، وأنت تريد الرجل الذي لقيته، لم يجز بل ينصرف ذلك إلى غيره، ويكون المضروب غير الملقى.
فإنْ وصفته بوصف لا يشعر بالمغايرة جاز نحو: لقيت رجلًا فضربت الرجل المذكور.
وهنا جاء الأشهر الحرم، لأن هذا الوصف مفهوم من قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}، إذ التقدير أربعة أشهر حرم لا يتعرض إليكم فيها، فليس الحرم وصفًا مشعرًا بالمغايرة.
وقيل: الأشهر الحرم هي غير هذه الأربعة، وهي الأشهر التي حرم الله فيها القتال منذ خلق السموات والأرض، وهي التي جاء في الحديث فيها: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب» فتكون الأربعة من سنتين.
وقيل: أولها المحرم، فتكون من سنة.
وجاء الأمر بالقتل على سبيل التشجيع وتقوية النفس، وأنهم لا منعة عندهم من أن يقتلوا.
وفي إطلاق الأمر بالقتل دليل على قتلهم بأي وجه كان، وقد قتل أبو بكر أصحاب الردّة بالإحراق بالنار، وبالحجارة، وبالرمي من رءوس الجبال، والتنكيس في الآبار.
وتعلق بعموم هذه الآية، وأحرق عليّ قومًا من أهل الرّدّة، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن المثلة.
ولفظ المشركين عام في كل مشرك، وجاءت السنة باستثناء الأطفال والرهبان والشيوخ الذين ليسوا ذوي رأي في الحرب، ومن قاتل من هؤلاء قتل.
وقال الزمخشري: يعني الذي نقصوكم وظاهروا عليكم.
ولفظ: {حيث وجدتموهم} عام في الأماكن من حل وحرم.
{وخذوهم} عبارة عن الأسر، والأخيذ الأسير.
ويدل على جواز أسرهم: واحصروهم، قيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد.
وقيل: استرقوهم.
وقيل: معناه حاصروهم إنْ تحصّنوا.
وقرئ: فحاصروهم شاذًا، وهذا القول يروى عن ابن عباس.
وعنه أيضًا: حولوا بينهم وبين المسجد الحرام.
وقيل: امنعوهم عن دخول بلاد الإسلام والتصرف فيها إلا بإذن.
قال القرطبي في قوله: {واقعدوا لهم كل مرصد} دلالة على جواز اغتيالهم قبل الدعوة، لأنّ المعنى اقعدوا لهم مواضع الغرة، وهذا تنبيه على أنّ المقصود إيصال الأذى إليهم بكل طريق، إما بطريق القتال، وإما بطريق الاغتيال.
وقد أجمع المسلمون على جواز السرقة من أموال أهل الحرب، وإسلال خيلهم، وإتلاف مواشيهم إذا عجز عن الخروج بها إلى دار الإسلام، إلا أنْ يصالحوا على مثل ذلك.
قال الزمخشري: {كل مرصد} كل ممر ومجتاز ترصدونهم فيه، وانتصابه على الظرف كقوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} انتهى.
وهذا الذي قاله الزجاج قال: كل مرصد ظرف، كقولك: ذهبت مذهبًا ورده أبو علي، لأنّ المرصد المكان الذي يرصد فيه العدوّ، فهو مكان مخصوص لا يحذف الحرف منه إلا سماعًا كما حكى سيبويه: دخلت البيت، وكما غسل الطريق الثعلب انتهى.
وأقول: يصح انتصابه على الظرف، لأن قوله: {واقعدوا لهم} ليس معناه حقيقة القعود، بل المعنى ارصدوهم في كل مكان يرصد فيه، ولما كان بهذا المعنى جاز قياسًا أن يحذف منه في كما قال: وقد قعدوا منها كل مقعد.
فمتى كان العامل في الظرف المختص عاملًا من لفظه أو من معناه، جاز أن يصل إليه بغير واسطة في، فيجوز جلست مجلس زيد، وقعدت مجلس زيد، تريد في مجلس زيد.
فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه، فكذلك إلى الظرف.
وقال الأخفش: معناه على كل مرصد، فحذف وأعمل الفعل، وحذف على، ووصول الفعل إلى مجرورها فتنصبه، يخصه أصحابنا بالشعر.
وأنشدوا:
تحنّ فتبدي ما بها من صبابة ** وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني

أي لقضي عليّ.
{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلُّوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} أي عن الكفر والغدر.
والتوبة تتضمن الإيمان وترك ما كانوا فيه من المعاصي، ثم نبه على أعظم الشعائر الإسلامية، وذلك إقامة الصلاة وهي أفضل الأعمال البدنية، وإيتاء الزكاة وهي أفضل الأعمال المالية، وبهما تظهر القوة العملية، كما بالتوبة تظهر القوة العلمية عن الجهل.
فخلوا سبيلهم، كناية عن الكف عنهم وإجرائهم مجرى المسلمين في تصرفاتهم حيث ما شاءوا، ولا تتعرضوا لهم كقول الشاعر:
خل السبيل لمن يبنى المنار به

أو يكون المعنى: فأطلقوهم من الأسر والحصر.
والظاهر الأول، لشمول الحكم لمن كان مأسورًا وغيره.
وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعًا، وأبى الله أنْ لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه في قوله: «لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة» وناسب ذكر وصف الغفران والرحمة منه تعالى لمن تاب عن الكفر والتزم شرائع الإسلام.
قال الحافظ أبو بكر بن العربي: لا خلاف بين المسلمين أنّ من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلًا كفر، ودفن في مقابر الكفار، وكان ماله فيئًا.
ومنْ ترك السنن فسق، ومن ترك النوافل لم يحرج إلا أن يجحد فضلها فيكفر، لأنه يصير رادًا على النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء به وأخبر عنه انتهى.
والظاهر أنّ مفهوم الشرط لا ينتهض أنْ يكون دليلًا على تعيين قتل من ترك الصلاة والزكاة متعمدًا غير مستحلّ ومع القدرة لأن انتفاء تخلية السبيل تكون بالحبس وغيره، فلا يتعين القتل.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مكحول، ومالك، والشافعي، وحماد بن زيد، ووكيع، وأبو ثور: يقتل.
وقال ابن شهاب، وأبو حنيفة، وداود: يسجن ويضرب، ولا يقتل.
وقال جماعة من الصحابة والتابعين: يقتل كفرًا، وماله مال مرتد، وبه قال إسحاق.
قال إسحاق: وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا. اهـ.

.قال أبو السعود:

{فَإِذَا انسلخ} أي انقضى، استُعير له من الانسلاخ الواقعِ بين الحيوان وجلدِه والأغلبُ إسناده إلى الجلد، والمعنى إذا انقضى {الاشهر الحرم} وانفصلت عما كانت مشتملةً عليه ساترةً له انفصالَ الجلدِ عن الشاة وانكشف عنه انكشافَ الحجاب عما وراءَه كما ذكره أبو الهيثم من أنه يقال: أهلَلْنا شهرَ كذا أي دخلنا فيه ولبِسناه فنحن نزداد كلَّ ليلة لباسًا منه إلى مُضيِّ نصفِه ثم نسلَخُه عن أنفسنا جزءًا فجزءًا حتى نسلَخَه عن أنفسنا كلَّه فينسلِخ وأنشد:
إذا ما سلختُ الشهرَ أهلَلْتُ مثلَه ** كفى قاتلًا سَلْخي الشهورَ وإهلالي

وتحقيقُه أن الزمانَ محيطٌ بما فيه من الزمانيات مشتملٌ عليه اشتمالَ الجلد للحيوان وكذا كلُّ جزءٍ من أجزائه الممتدة من الأيام والشهورِ والسنين فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه، وفيه مزيدُ لطفٍ لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهرَ كانت حِرْزًا لأولئك المعاهَدين عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالُهم بزوالها والمرادُ بها إما ما مر من الأشهر الأربعةِ فقط، ووضعُ المظهر موضعَ المضمرِ ليكون ذريعةً إلى وصفها بالحُرمة تأكيدًا لما يُنبئ عنه إباحةُ السياحةِ من حرمة التعرضِ لهم مع ما فيه من مزيد الاعتناءِ بشأنها، أو هي مع ما فُهم من قوله تعالى: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ} من تتمة مدةٍ بقِيَتْ لغير الناكثين فعلى الأول يكون المرادُ بالمشركين في قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} الناكثين خاصةً فلا يكون قتالُ البالغين مفهومًا من عبارة النصِّ من دِلالته، وعلى الثاني مفهومًا من العبارة إلا أنه يكون الانسلاخُ وما نيط به من القتال حينئذ شيئًا فشيئًا لا دفعةً واحدةً كأنه قيل: فإذا تم ميقاتُ كلِّ طائفةٍ فاقتُلوهم، وحملُها على الأشهر المعهودةِ الدائرةِ في كل سنة لا يساعده النظمُ الكريمُ، وأما أنه يستدعي بقاءَ حُرمةِ القتالِ فيها إذ ليس فيما نزل بعدُ ما ينسخها فلا اعتدادَ به لا لأنها نُسخت بقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} كما تُوهم فإنه رجمٌ بالغيب لأنه إن أريد به ما في سورة الأنفال فإنه نزل عَقيبَ غزوةِ بدرٍ وقد صح أن المرادَ بالذين كفروا في قوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أبو سفيانَ وأصحابُه وقد أسلم في أواسط رمضانَ عام الفتحِ سنة ثمانٍ وسورةُ التوبةِ إنما نزلت في شوالٍ سنةَ تِسعٍ وإن أريد ما في سورة البقرة فإنه أيضًا نزل قبل الفتح كما يعرب عنه ما قبله من قوله تعالى: {وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي من مكة وقد فعل ذلك يوم الفتح فكيف يُنسخ به ما ينزِل بعده؟ بل لأن انعقادَ الإجماعِ على انتساخها كافٍ في الباب من غير حاجةٍ إلى كون سندِه منقولًا إلينا. وقد صح أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم حاصرَ الطائفَ لعشرٍ بقِين من المحرم {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} من حِلّ وحِرْم {وَخُذُوهُمْ} أي أْسِروهم والأَخيذُ: الأسير {واحصروهم} أي قيّدوهم أو امنعوهم من التقلب في البلاد.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: حِيلوا بينهم وبين المسجدِ الحرام {واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي كلَّ ممرٍ ومُجتازٍ يجتازون منه في أسفارهم، وانتصابُه على الظرفية أي ارصُدوهم وارقبُوهم حتى لا يُمرّوا به، وفائدتُه على التفسير الثاني دفعُ احتمالِ أن يُراد بالحصر المحاصرةُ المعهودة.
{فَإِن تَابُواْ} عن الشرك بالإيمان بعد ما اضطُرّوا بما ذكر من القتل والأسر والحصر {وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتُوا الزَّكَاةَ} تصديقًا لتوبتهم وإيمانِهم، واكُتفى بذكرهما عن ذكر بقيةِ العبادات لكونهما رأسَي العباداتِ البدنية والمالية {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} فدعوهم وشأنَهم ولا تتعرَّضوا لهم بشيء مما ذكر {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر ويثبتهم بإيمانهم وطاعاتِهم وهو تعليل للأمر بتخلية السبيل. اهـ.

.قال الألوسي:

{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} أي انقضت، وأصله من السلخ بمعنى الكشط يقال: سلخت الاهاب عن الشاة أي كشطته ونزعته عنها، ويجيء بمعنى الاخراج كما يقال: سلخت الشاة عن الاهاب إذا أخرجتها منه، وذكر أبو الهيثم أنه يقال: أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه فنحن نزداد كل ليلة لباسًا إلى نصفه ثم نسلخه عن أنفسنا جزأ فجزأ حتى ينقضي وأنشد:
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ** كفى قاتلا سلخى الشهور واهلالي

والانسلاخ فيما نحن فيه استعارة حسنة وتحقيق ذلك أن الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال الجلد على الحيوان وكذا كل جزء من أجزائه الممتدة كالأيام والشهور والسنين، فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه، وفي ذلك مزيد لطف لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزًا لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالهم بزوالها، ومن هنا يعلم أن جعله استعارة من المعنى الأولى للسلخ أولى من جعله من المعنى الثاني باعتبار أنه لما انقضى كأنه أخرج من الأشياى الموجودة إذ لا يظهر هذا التلويح عليه ظهوره على الأول {وَالٍ} في الأشهر للعهد فالمراد بها الأشهر الأربعة المتقدمة في قوله سبحانه: {فَسِيحُواْ في الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2] وهو المروى عن مجاهد. وغيره. وفي الدر المصون أن العرب إذا ذكرت نكرة ثم أرادت ذكرها ثانيًا أتت بالضمير أو باللفظ معرفًا بأل ولا يجوز أن تصفه حينئذ بصفة تشعر بالمغايرة فلو قيل رأيت رجلًا وأكرت الرجل الطويل لم ترد بالثاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز كقولك فأكرمت الرجل المذكور والآية من هذا القبيل، فإن {الحرم} صفة مفهومة من فحوى الكلام فلا تقتضي المغايرة، وكأن النكتة في العدول عن الضمير ووضع الظاهر موضعه الإتيان بهذه الصفة لتكون تأكيدًا لما ينبئ عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم مع ما في ذلك من مزيد الاعتناء بشأن الموصوف.